زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

105

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

لأن ما أمر به شعيب قومه من التوحيد ، وإيفاء الكيل ، والنّهي عن الصّدّ ، وإقامة الوزن بالقسط ، أكثر ممّا أمر به صالح قومه . أو لأن شعيبا : أرسل إلى أصحاب الأيكة ، وإلى مدين ، فجمع باعتبار تعدّد المرسل إليهم وصالح عليه السلام وحّد باعتبار الجنس . فإن قلت : كيف قال صالح لقومه ، بعد ما أخذتهم الرجفة وماتوا : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي الآية ، ومخاطبة الحيّ للميّت لا فائدة فيه ؟ قلت : بل فيه فائدة ، وهي نصيحة غيره ، فإن ذلك يستعمل عرفا فيما ذكر ، لأن من نصح غيره فلم يقبل منه حتى قتل ، ويراه ناصحه فإنه يقول له : كم نصحتك فلم تقبل حتى أصابك هذا ! ! حثّا للسّامعين له على قبولهم النصيحة . 23 - قوله تعالى : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [ الأعراف : 81 ] . عبّر هنا بلفظ السّرف والاسم ، وفي النّمل بلفظ الجهل والفعل تكثيرا للفائدة في التعبير عن المراد بلفظين متساويين معنى ، إذ كلّ سرف جهل ، وبالعكس ، ورعاية للفواصل في التعبير بالاسم والفعل ، إذ الفواصل هنا أسماء وهي : " للعالمين ، المرسلين ، النّاصحين " إلى آخرها . وفي النّمل أفعال وهي : " يعلمون ، يتقون ، يبصرون " فناسب الاسم هنا ، والفعل ثمّ . 24 - قوله تعالى : وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [ الأعراف : 82 ] . قاله هنا بالواو ، وفي النمل وفي العنكبوت في الموضعين بالفاء . لأن ما هنا تقدّمه اسم هو " مسرفون " والاسم لا يناسبه التعقيب . وما في تينك تقدّمه فعل ، هو " تجهلون " ، و " تقطعون " ، و وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ، والفعل يناسبه التعقيب ، فناسب ذكر الفاء الدّالة عليه ثمّ ، وذكر " الواو " هنا . 25 - قوله تعالى : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ الأعراف : 88 ] . فيه تغليب الجمع على الواحد ، إذ منهم شعيب ، ولم يكن في ملّتهم حتى يعود إليها ، وكذا قول شعيب : إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها على أن